الشيخ محمد رشيد رضا

20

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فتجرؤا وقويت قلوبهم وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أي سلمكم من الفشل والتنازع وتفرق الكلمة وعواقب ذلك إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي عليم بما في القلوب التي في الصدور من شعور الجبن والجزع الذي تضيق به فتنكل عن الاقدام على القتال ، ومن شعور الايمان والتوكل الذي يبعث فيها طمأنينة الشجاعة والصبر فيحملها على الاقدام ، فيسخر لكل منها الأسباب التي تفضي إلى ما يريده منها * * * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا قوله « وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ » معطوف على قوله قبله « إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ » لأنه سبب في معناه فجمع معه واتصل به - بخلاف إذ - في الآيتين قبلها فلذلك جاءت كل منهما مفصولة غير معطوفة . والخطاب هنا للمؤمنين كافة والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم معهم ؛ فالمعنى : وفي ذلك الوقت الذي يريكم اللّه الكفار عند التلاقي معهم قليلا بما أودع في قلوبكم من الايمان بوعد اللّه بنصره لكم وبتثبيتكم بملائكته ومن احتقارهم والاستهانة بهم ، ويقللكم في أعينهم لقلتكم بالفعل ، ولما كان عندهم من الغرور والعجب . حتى قال أبو جهل : انما أصحاب محمد أكلة جزور . كأنه يقول نتغداهم ونتعشاهم في يوم واحد - وكانوا يأكلون في كل يوم جزورا . ومعنى التعليل ليقدم كل منكم على قتال الآخر : هذا واثقا بنفسه ، مدلا ببأسه ، وهذا متكلا على ربه ، واثقا بوعده ، حتى إذا ما التقيتم ثبتكم وثبطهم ، فيقضي باظهاركم عليهم أمرا كان في علمه مفعولا ، فهيأ له أسبابه وقدرها تقديرا ، ولا حاجة إلى جعل هذا الامر المفعول غير الذي ذكر قبله وان سهل ذلك بغير تكلف باعتبار مبدأ الامر وغايته ، وحسن تأثيره وثمرته ، وقد كان في الفريقين عظيما . فان تكرار ما تقتضي الحال تكراره أصل من أصول البلاغة ومقصد من أهم مقاصدها خلافا لما زعم متنطعو المحسنات اللفظية وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فلا ينفذ شي في العالم الا ما قضاه تعالى وقدر أسبابه ، وانما القضاء والقدر قائمان بسننه تعالى في الأسباب والمسببات ، فهو لو شاء لخلق في القلوب والأذهان ما أراده بتأثير منام الرسول وبتقليل كل من الجمعين في أعين الآخر من غير أن يرتبهما على هذين السببين ،